حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

20

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الإجبار ، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهرا والتسليم لأحكام الحقّ باطنا من غير حرج وضيق عطن . ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ يتبرأ منه ؛ فطاغوت العوام الأصنام ، وطاغوت الخواص هو النفس ، وطاغوت خواص الخواص ما سوى اللّه . وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان ، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى . وشهود القلب مع المولى . وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة اللّه ، وإنابة القلب إلى الفناء في اللّه ، وإخلاء السر للبقاء باللّه ، وهذا هو السكر الموجب للشكر . ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي تُبْتُ إِلَيْكَ [ الأحقاف : 15 ] أي عن هذه الإفاقة ، فكان مخصوصا عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكا مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل : لي سكرتان وللندمان واحدة * شيء خصصت به من بينهم وحدي ثم العروة الوثقى التي استمسك بها المؤمن لا يمكن أن تكون من المحدثات المخلوقات لقوله كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ولا تكون أيضا من بطشك وإلا كانت منفصمة ، بل تكون من بطشه إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [ البروج : 12 ] ولكل مؤمن عروة مناسبة لمقامه في الإيمان ؛ فهي للعوام توفيق الطاعة ، وللخواص مزيد العناية بالمحبة يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ولخواص الخواص الجذبة الإلهية التي تفنيه عن ظلمات الغيرية وتبقيه بنور الربوبية ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم « جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين » وأعمالهما فانية من عالم الحدوث ، وجذبة الحق باقية من عالم القدم لا يجوز عليها الانفصام ، فالمجذوب لا يخلص منها أبد الآبدين . ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية ، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية ، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء . وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ : ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان ، والأولياء بلفظ الجمع ، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [ البقرة : 165 ] ؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس ؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية